القرطبي

106

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

الرحم ، فيضعها على كفه ، ثم يقول : يا رب ، مخلّقة أو غير مخلقة ؟ فإن قال مخلّقة ، قال : يا رب ما الرزق ؟ ما الأثر ؟ ما الأجل ؟ فيقول : انظر في أم الكتاب ، فينظر في اللوح المحفوظ ، فيجد فيه رزقه ، وأثره ، وأجله ، وعمله ، ويأخذ التراب الذي يدفن في بقعته ويعجن به نطفته . فذلك قوله تعالى : مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ [ طه : 55 ] خرجه الترمذي الحكيم ، أبو عبد اللّه في « نوادر الأصول » . وذكر عن علقمة ، عن عبد اللّه قال : إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها الملك بكفه ، فقال : أي رب أمخلقة أو غير مخلقة ؟ فإن قال : غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفتها الأرحام دما ، وإن قال : مخلقة ، قال : أي رب أذكر ، أم أنثى ؟ أشقي ، أم سعيد ؟ ما الأجل ؟ وما الأثر ؟ وما الرزق ؟ وبأي أرض تموت ؟ فيقول : اذهب إلى أم الكتاب ، فإنك ستجد هذه النطفة فيها ، فيقال للنطفة : من ربك ؟ فتقول : اللّه . فيقال : من رازقك ؟ فتقول : اللّه ، فتخلق ، فتعيش في أجلها ، وتأكل رزقها ، وتطأ أثرها ، فإذا جاء أجلها ماتت ، فدفنت في ذلك المكان ، فالأثر : هو التراب الذي يؤخذ فيعجن به ماؤه . وقال محمد بن سيرين : لو حلفت حلفت صادقا بارّا ، غير شاك ولا مستثن ، أن اللّه ما خلق نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، ولا أبا بكر ، ولا عمر ، إلّا من طينة واحدة ثم ردهم إلى تلك الطينة . قلت : وممن خلق من تلك التربة ؛ عيسى بن مريم عليه السلام . على ما يأتي بيانه آخر الكتاب إن شاء اللّه تعالى . وهذا الباب يبين لك معنى قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [ الحج : 5 ] . وقوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [ الأنعام : 2 ] . وقوله : ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ [ السجدة : 8 ] ، ولا تعارض في شيء من ذلك على ما بينا في كتاب « الجامع لأحكام القرآن ، والمبين لما تضمن من السنة ، وآي الفرقان » وهذا الباب يجمع لك ذلك كله فتأمله . * * *